أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
143
شرح مقامات الحريري
[ الأمير دبيس بن صدقة ] وأما دبيس فهو الأمير سيف الدولة بن مزيد الأسديّ ، وقيل : دبيس بن صدقة بن مزيد ، وذكر أبو الحسن عليّ بن الحسين بن أبي طالب الباخرزيّ الأمير أبا الأعز دبيس ابن عليّ فقال : خدمته ببغداد ، وعبرت إليه أخت يده الجواد - يعني دجلة - وهي زاخرة الأمداد ، فإذا باحة للطارقين مباحة ، وراحة في كفّها للعفاة راحة ، وقباب التفّت بها غاب القنا ، واشترك مع أسودها الناس في فرائس الغنى . قال الفنجديهيّ : سمعت بعض أهل الفضل يقول ببغداد : لما سمع الأمير دبيس ، أن الرئيس أبا محمد الحريري ذكره في مقاماته ، وأورد فيها بعض صفاته ، أنفذ إليه من الخلع السنيّة ، والجوائز الهنيّة ومزية العطية ، ما عجز عنه الوصف ، وكلّ عنه الطرف ، واقتضاه علوّ همته ، وسموّ قدرته . ثم عصى دبيس على الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين أبي منصور الفضل بن المستظهر باللّه ، وسعى في إراقة دمه ، وجمع العساكر وحشد ، وقصد بغداد في عسكر عظيم ، وعاث في أطرافها ، وأفسد في أكنافها ، فخرج المسترشد باللّه أمير المؤمنين من دار الخلافة ، واجتمعت إليه الأجناد ، وظهر إليه وحمل عليه ، فهزم دبيس وعسكره ، وانتهى إلى الحلّة المزيدية ، فانتهبها ، وذلك في المحرّم في سنة سبع عشرة وخمسمائة . وانهزم دبيس في خواصّ من أصحابه وغلمانه خوفا من الخليفة ، ومرّ نحو الشام ثم قتل الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد في سنة ثلاثين أو في سنة تسع وعشرين ، قتله السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه لأمور أنكرها وأسباب امتعض لها ، نسبت إليه . ثمّ انثال عليه من جوائز المجازاة ، ووصائل الصّلات ، ما قيض له الغنى ، وبيّض وجه المنى ، ولم يزل ينتابه الدّخل ، مذ نتج السّخل ؛ إلى أن أعطي البحر الأمان وتسنّى الإتمام إلى عمان ؛ فاكتفى أبو زيد بالنّحلة ، وتأهّب للرّحلة ؛ فلم يسمح الوالي بحركته ، بعد تجربة بركته ، بل أوعز بضمّه إلى حزانته ، وأن تطلق يده في خزانته . قال الحارث بن همّام : فلمّا رأيته قد مال ، إلى حيث يكتسب المال ، أنحيت عليه بالتّعنيف ، وهجنت له مفارقة المألف والأليف ، فقال : إليك عنّي ، واسمع منّي . * * * قوله : انثال ، أي انصبّ . جوائز : عطايا وصائل : متّصلات غير منقطة ، والوصائل : ثياب حمر محططة تصنع باليمن يلبسها النساء ، قال الشاعر : [ الطويل ] * لها حبك كأنها من وصائل *